التسويق العربي بين إمكانيات المستقبل وتركة الماضي
بقلم شادي حسن، المدير التنفيذي لشركة فلاغ شيب للحلول التسويقية المتكاملة في يوم الخميس, 27 مارس 2008
ما زلت أذكر ذلك اليوم في أوائل التسعينات على مقاعد الجامعة في الولايات المتحدة عندما سألنا كمجموعة من الطلاب العرب الأستاذ المحاضر عن نظرته عن واقع التسويق العربي وتحدياته. وجاء جوابه آنذاك بأن العملية التسويقية في العالم العربي تتطلع إلى المستقبل بنظرة تفاؤلية بيد أنها مرهقة بتركة ثقيلة تعيق مسيرة تطورها.
ورأينا يومها أن جواب الأستاذ المحاضر فلسفي بعض الشيء، غير أنني بدأت أفهم معناه بعد حين. ويعاني القطاع حالياً من صراع مرير بين مدراء التسويق بمختلف أجيالهم. فمنهم مازال يعد العمل التسويقي مصروف إنفاقي بدلاً من إدراجه في خانة التكاليف الاستثمارية ومنهم من لا يستطع بعد أن يؤطر العمل التسويقي بإدارات متكاملة ممنهجة ذات فلسفة تسويقية متكاملة تعمل على المدى الطويل بدلاً من التلهي بمهمات اللحظات الأخيرة التي تأتيها من باقي الإدارات. كما لا يسمح للإدارات التسويقية في العالم العربي باتخاذ القرارات الجريئة على طاولة التخطيط الإستراتيجي من دون وصاية مباشرة من إدارات أخرى لا تضاهيها أهمية لكنها تتفوق عليها بدرجة قوتها وسلطتها وميزانياتها.
وعندما سرد لنا الأستاذ المحاضر هذا الحال، جمعنا الرأي بأنه يبالغ بنظرته الهشة للتسويق العربي إلى حد قال لنا أحد رفاق الدراسة والغربة في ذلك الوقت بأن الدكتور المحاضر لم يكن يتكلم بعقله قدر تكلمه بقلبه وأن موقفه من التسويق العربي يشوبه التجرد أو النظرة العلمية من منطلق النظرة الفوقية التي ينظرها لنا الغرب على مر الأجيال.
ولكن بعد أن صلب عودنا في مجال التسويق، تذكرت كلام الدكتور ووافقته الرأي بتجرد حيث القطاع التسويقي العربي لا يعطي المجتمع قدر أخذه منه ولا يتطلع إلى العلاقات طويلة الأمد مع الزبائن قدر تطلعه إلى المكاسب السريعة والضيقة ويتشدق بمفهوم تعزيز ولاء الزبائن بالشركات والعلامات التجارية من دون مساءلة نفسه على مدى ولائه لهؤلاء الزبائن نفسهم.
وحدث ولا حرج عن عمليات استنساخ الحاصلة في العملية التسويقية في العالم العربي التي يغيب عنها الابتكار بشكل كلي حيث نراها معلبة بطريقة جافة إلى الجماهير المستهدفة العربية من دون مراعاة أبسط ما يمكن مراعاته ليس أقله لغة عربية سليمة تخاطب الجماهير المستهدفة بطرق فعالة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة، إذا كان التسويق يعتمد بقوة على الابتكار، فكيف يلتقي الاستنساخ الحاصل في التسويق العربي مع الإبداع والتجدد.
وبحوث التسويق في العالم العربي مازالت في مرحلة المخاض بينما نرى سوقاً كسوق الولايات المتحدة ينفق أكثر من 5 مليار دولار أميركي على التسويق في العام الفائت. وكيف يمكن صياغة استراتيجية تسويقية ذات مزيج تسويقي أمثل من دون النظر بشكل دقيق إلى احتياجات الزبائن ورغباتهم وسلوك المستهلكين وتفصيلاتهم.
ويحصل الإعلان حالياً على حصة الأسد من الإستراتيجيات والميزانيات التسويقية للمؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص في العالم العربي لا سيما في منطقة الخليج مع تبلور مفهوم التسويق الحكومي الذي يعزز صورة وسمعة المؤسسات الحكومية أمام المواطنين والمقيمين والزوار، الأمر الذي يشرع الباب واسعاً أمام مواصلة رواج قطاع الإعلان العربي ويضع الشركات الإعلانية أمام تحديات كبيرة تتمثل بتعزيز مفهوم الإبداع والابتكار في رسائلها الإعلانية بدلاً من استنساخ رسائل دولية أجنبية لن تؤدي الغرض المطلوب منها. وللحديث شجون عند التكلم عن صناعة الإعلان في الوطن العربي التي تمر بمرحلة مصطنعة لا مثيل لها حيث أن الرسالة الإعلانية التي ينبغي أن تحكي بلسان حال المستهلكين العرب، نراها لا ترتبط إلى الواقع العربي بأية صلة.
ولكن الصورة لم تخل من الإيجابية في العام الماضي حيث امتازت بعض الإعلانات العربية بعناصر إبداع فكرية عالمية من حيث الصياغة والمكونات التفصيلية للرسالة الإعلانية والبعد النفسي للإعلان والجودة العالية في الإنتاج.
وتلعب الحملات الإعلانية الدولية التي يتم تعريبها في العالم العربي دوراً كبيراً في طمس الخصوصية والثقافة العربية وتذويبها بثقافة غربية لا تمت للمستهلك العربي بصلة. وفي معظم الأحيان، يفشل مبدع الرسائل الإعلانية مهمة ابتكار الفقرات الإعلانية وكتابة النصوص التي تقوم على إقناع الجمهور المستهدف آخذة في الحسبان البعد النفسي والعقلي أضف إلى التأثير المعرفي والعاطفي والسلوكي.
اتفقنا مع صاحبنا الدكتور ذلك الوقت بأن الدول العربية تعد مثالاً نموذجياً لسوق ضخم يقدم تنوعاً كبيراً من حيث تركيب الهياكل الاقتصادية واختلاف الثروات الطبيعية وتراوح في مستويات الدخل وتباين في العدد السكاني. بيد أننا اختلفنا معه بالرأي بأن تسويقنا العربي هش وضعيف. هذا الاختلاف بالرأي لم يفسد للود قضية كما يقول المثل العربي لكنه برهن لنا بعد مرور ما يناهز عقدين من الزمن بأن رأي أستاذ التسويق بأن القطاع يحاول النمو بين مطرقة تحديات المستقبل وسندان تركة الماضي كان صائباً مائة بالمائة.
آخر مقالات الموقع
آخر مقالات لتسويق وإعلام
أيضا في تسويق وإعلام
آخر الآراء وتحليلات
تعليقات القراء (1 تعليقات)
المرسل Mammar SAADI, Abu Dhabi, UAE في 28 آذار 2008 - 02:00 بتوقيت الإمارات العربية المتحدة
je partage l'opinion de Mr Shadi sur le fait que dans le monde arabe on n'a pas encore donné à la fonction marketing sa place ligitime au sein de l entreprise. le malheur, dans nos entreprises ou encore plus dans la societe arabe, y a une sorte d'attachement à tous ce qui vient d'ailleurs sans essayer d'analyser et raffiner ce qui est adéquat et valable pour le contexte local et d'en tirer le meilleur profit. le marketing peut en etre un aspect. on trouve de plus en plus d'entreprises qui créent des départements ou directions marketing, pensant que c'est à la mode, sans se préoccuper du role réel que doit jouer un tel organe quant à la création de la valeur. ainsi, on remarque des nominations à des postes "marketing" de gens qui n'ont aucun lien avec ce dernier, je travaillais dans un pays arabe pour une trés grande entreprise et j ai vu comment on a mis au poste de sous-directeur de la gestion commerciale quelqun qui ne connais meme pas les 4P du marketing-mix , y a un proverbe arabe qui dit :"celui qui n'a pas une chose ne peut pas la donner". le marketing est un besoin que constate l'entreprise dans un environnement concurrentiel et qui l'oblige à réagir en mettant en place une structure qui aura comme mission la préservation et l'augmentation de sa part de marché et pour réussir cette mission il y a lieu d'engager les meilleurs profesionnels du domaines car il s'agit là du sort de l'entreprise et non pas d'un simple aménagement du bureau de Monsieur le PDG
Mammar SAADI. Etudiant en Master Marketing, Management et Communication
Université Paris-sorbonne Abu Dhabi

