ابحث في الموقع:
(مباشرة) أسواق الأسهم:
ArabianBusiness.com - Middle East Business News توقيت الامارات العربية المتحدة - 11:17 | Sunday, 06 July 2008

YOUR DIRECTORY /


	
أطبع هذه المقالة أطبع هذه المقالة | أرسلها لصديق أرسلها لصديق | علق على المقالة (0 تعليقات) |

قرار آخر...غير ميثاقي، وغير سيادي

بقلم معن بشور في يوم الجمعة, 28 مارس 2008

لم يكن اهل السلطة عندنا بحاجة الى اتخاذ قرار بمقاطعة القمة العربية في دمشق لكي يعبروا عن "اعتراضهم"، فالجعبة الديبلوماسية مليئة بخيارات عدة تستطيع تحقيق الغرض ذاته، فلا يكون تمثيل الدولة رفيع المستوى ولا تسجل الدولة على نفسها سابقة "المقاطعة"، وهو ما فعلته حكومات عربية باتت تشكل قدوة لاهل الحكم عندنا حتى لا نقول اننا نخشى ان يصبحوا لها وقوداً في حساباتها وصراعاتها.

"فالمقاطعة" تعبير ممجوج في قاموس" الاعتدال" العربي، وكثيراً ما كان يتهم اصحابه "بالسلبية" و "المزايدة" والنقص في "النضج" السياسي الى درجة ان "مقاطعة" العدو الصهيوني ذاتها باتت موضع مراجعة او اعادة نظر حسب المنطق الرائج لدى اهل "الاعتدال" العربي.

 لكن ما يبدو ان بعض اهل السلطة الاكثر تطرفاً قد نجحوا في استدراج حلفائهم الى موقعهم او موقفهم التاريخي الذي لا يخفي الرغبة في فك الارتباط بين لبنان وهويته العربية وكل ما يترتب عليها من التزامات، بل انه هذا البعض لم يخف ابداًَ فرحه الكبير بانه نجح في نقل "فريق لبناني كبير من موقع التمسك بالعروبة الى موقع الانكفاء الفكري والنفسي والسياسي عن محيطه وهو انكفاء لا يتنكر عملياً لعروبة لبنان فقط، بل يتنكر  ايضاً لوحدة الوطن  لصالح "فيدرالية" او "كونفدرالية" يسعون اليهما مهما طال الزمن، فكيف والزمن من حولنا زمن الفدرلة والتقسيم والمحاصصات العرقية والطائفية والمذهبية.

تتمة المقالة في الأسفل
advertisement

والحكومة المطعون اصلاً في ميثاقيتها وشرعيتها ودستوريتها من قبل فريق كبير من اللبنانيين لمخالفتها بنداً رئيسياً من بنود الميثاق والدستور ينص على ان لا شرعية لاي سلطة خارج  سلطة العيش المشترك، تعطي اليوم لمعارضيها سلاحاً جديداً للطعن في ميثاقيتها وشرعيتها ودستوريتها حين تخالف بنداً رئيسياً اخراً من بنود الميثاق والدستور الذي يتصدر مقدمة الاثنين وينص على ان "لبنان عربي الانتماء" (وان لبنان عضو مؤسس في جامعة العربية ملتزم بمواثيقها ومؤسساتها)، وهو نص سالت دماء كثيرة حتى خرج بهذا الوضوح في اتفاق الطائف.

وقد يقول البعض ما علاقة هذا البند الدستوري بقرار سياسي يتعلق بمقاطعة قمة عربية، ولهؤلاء نقول ماذا يعنى "الانتماء العربي" اذا لم يكن مجسداً في الانضواء تحت لواء جامعة الدول العربية، التي فُصلّت اساساً على قياس الحساسية اللبنانية، واذا لم يكن مترجماً في حرص على ديمومة المؤسسة الاعلى في هذه الجامعة، وهي مؤسسة القمة التي كانت وستبقى، رغم كل الملاحظات والاعتراضات على ادائها، فوق الاشخاص والانظمة والاعتبارات العابرة، بل انها تبقى مستهدفة من كل الذين حاولوا، وما زالوا، احلال نظام شرق اوسطي يقوده الكيان الصهيوني مكان النظام الاقليمي العربي وعماده التضامن العربي، كما الذين حاولوا، وما زالوا، حلّ جامعة الدول العربية ومقرها قاهرة المعّز وصلاح الدين وجمال عبد الناصر لتقوم كبديل عنها جامعة شرق اوسطية عاصمتها الفعلية في  تل ابيب.

  فهل ننسى مثلاً ان قراراً اميركيا صريحاً قد حال  دون انعقاد القمة العربية على مدى عشر سنوات (1990-2000)، وان قمماً للشرق الاوسط وشمال افريقيا قد اخذت تنعقد في دول عربية  (عامي 1994و1995)، وتحضرها حكومة تل ابيب مع انبعاث مشروع بيريز الشرق اوسطي اثر مؤتمر مدريد واتفاقيات اوسلو.

 وهل يمكن لنا ان ننسى ان الادارة الامريكية سعت بكل ما تملكه من نفوذ الى تعطيل قمم اخرى انعقدت بعد 2000، واذ لم تنجح تماما في تعطيل القمة فقد كانت تعمد الى خفض مستوى التمثيل فيها ثم الى تعطيل قراراتها ومبادراتها رغم ان الرأي العام العربي كان يرى في تلك القرارات اقل من الحد الادنى المطلوب، ويرى في تلك "المبادرات" تنازلات غير مبررة وغير مرغوبة بل وغير مقبولة بالمقاييس الوطنية والقومية والدينية.

اما الذاكرة، والذاكرة القريبة جداً، فتفيدنا ان الادارة الامريكية لم تخف معارضتها لانعقاد القمة العربية العتيدة، ولانعقادها في دمشق بالذات، وان دعوتها كانت صريحة لافشال هذه القمة  او اضعافها بل ان الافشال كان واحداً من الاهداف الرئيسة لجولات بوش ونائبه تشيني ووزيرة خارجيته رايس في دول المنطقة.

وهذا ما يدخلنا الى التناقض الثاني الذي يكمن في ثنايا قرار المقاطعة غير المسبوق بين شعار قامت عليه هذه السلطة منذ سنوات ثلاث وهو شعار السيادة والحرية والاستقلال، وبين الممارسة الفعلية المتمثلة بالرضوخ الصريح لقرار امريكي.

فكيف تستقيم سيادة دولة واستقلاله مع مثل هذا التجاوب الحرفي مع مطلب امريكي يطال واحدة من المسلمات اللبنانية وركناً من اركان الهوية العربية له.

وبالمناسبة لقد اعاد التذكير بالمطلب الامريكي هذا احد اركان الموالاة خلال زيارته الطويلة  والمستمرة الى الولايات المتحدة الامريكية، فالمقاطعة هنا، اذاً،  هي انسجام كامل مع رغبة اميركية صريحة مثلما هي دعوة  الى موقف "مبدئي" صريح مقاطع للقمة لا حاجة معه الى لف ودوران.

وهنا يقع فريق السلطة في التناقض الثالث وهو الطلاق البائن بين الارث المعادي "للتزمت العقائدي"، و "السلبية السياسية"، الذي يقوم عليه تاريخياً خطاب هذا الفريق ومنهجه، وبين هذا الموقف "الجذري"، والتطرف "المبدئي" اللذين يكشفان في عمقهما عن ضيق افق وارتباك رؤى وانسداد طرق اكثر مما يكشفان عن رجاحة فكر، ورحابة صدر، وثقة عامرة بالنفس والمستقبل.

وهنا يخطر بالبال سؤال آخر: ترى لو كان رفيق الحريري موجوداً هل كان سيقبل بالمقاطعة التي كان يعتبرها دوماً نقيض نهجه العملي والبراغماتي القائم على المقولة الفقهية الشهيرة "ما لا يدرك كله لا يترك جلّه"، بل ترى لو كان كان واحداً من الاباء "المؤسسين او اللاحقين" كبشارة الخوري ورياض الصلح وعبد الحميد كرامي، وكفؤاد شهاب ورشيد كرامي وصائب سلام، وكشارل حلو وعبد الله اليافي وحسين العويني، وكسليمان فرنجية  والصلحين تقي الدين ورشيد، وكالياس سركيس وسليم الحص، موجوداً في مركز القرار هل كان يقبل ان تنحدر السياسة اللبنانية الى مهاوي المقاطعة المرتبطة دوماً بالخيبات والاحباط والمشحونة بالايحاءات السلبية عند اغلبية اللبنانيين سواء كانت المقاطعة في شأن يتصل بالسياسة الداخلية او الخارجية .

فالمقاطعة، إذا هي أيضا خروج عن المألوف اللبناني، وعن التراث اللبناني، وعن التقليد اللبناني، فهل دخلنا فعلاً عصر "التثوير والتجذير" وعلى يد من ؟!

واذا كانت مقاطعة القمة العربية مسكونة بكل هذه التناقضات المدمّرة، فمقاطعة لبنان لقمة دمشق بالذات زاخرة ايضاً بالتناقضات وعامرة.

فالعلاقة بين لبنان وسورية كما علمنا التاريخ، وكما تحدثنا الجغرافيا، وكما تنبئنا المصالح والروابط، هي من الضرورات الحيوية للبلدين، أمناً واقتصاداً وثقافة واجتماعاً، بحيث لا ينبغي ان تؤثر بينهما اي لحظات عابرة مهما تكاثرت فيها الاخطاء، وحتى الخطايا.

وتصحيح العلاقة هذه، كما هي العلاقات بين اللبنانيين انفسهم، يكون من داخل العلاقة  لا بالخروج عنها، ويجري عبر تطوير العلاقة لا تدميرها، ومن خلال بنائها على قاعدة التعاون والتكافؤ والاحترام المتبادل لا عبر الغوص في أحوال التبعية او العداء التي أجاد بعض ساستنا في الانتقال بينهما دون رادع او وازع.

وما دام حديثنا في الميثاق والدستور، وما دام الطائف الرابط الذي يجمعنا جميعاً حتى الان، فوثيقة الوفاق الوطني في الطائف، ومن بعدها الدستور، قد منحا للعلاقات اللبنانية - السورية مساحة واسعة، لم يفرداها لعلاقة لبنان باي بلد اخر.

بل أن الحجم الذي اعطاه  اتفاق الطائف لباب العلاقات اللبنانية - السورية يفوق حجم العديد من الابواب الاخرى، بل ان هذا الاتفاق، ولانعاش ذاكرة بعض المتمسكين بحرفيته، قد نص بوضوح على وجود مجلس أعلى يضم الرؤساء في البلدين كما نص على بقاء قوات سورية في البقاع من اجل حماية خاصرة سوريا الاستراتيجية من أي عدوان اسرائيلي، وهو عدوان اذا وقع هذه المرة لن يترك "الممر البقاعي" الى طريق دمشق- بيروت آمناً، وسيحاول تكرار ما فعله عام 1982 قبل ان يوقفه الجيش السوري في معركتي السلطان يعقوب وبيادر العدس الشهيرتين في البقاع الغربي.

فلماذا التمسك بالهدنة مع العدو، بذريعة أنها وردت في الطائف، والدعوة الى القطع مع سورية على الرغم كل ما ورد في الطائف.

ان العداء لسورية هو خروج عن الميثاق وعن الدستور معاً، ولا يكفي لاتهامات سياسية غير موثقة  قضائياً ضد دمشق في قضايا الاغتيالات والتفجيرات ان تكون سبباً في اقامة السدود والحواجز بين بلدين شقيقين، وبين شعبين تجمعهما اقوى الروابط والمصالح، وهي روابط ومصالح تحدث عنها ايضا البيان الوزاري للحكومة الحالية، فيما اكد رئيسها الاستاذ فؤاد السنيورة في غير مرة، على "ضرورة فصل العلاقة بين وسورية عن مجريات التحقيق الدولي والمحكمة" وكلاهما باتا في عهدة "المجتمع الدولي" الذي ينبغي ان نتذكر دائما أن بعض أركانه، وفي زلة لسان، قد ربط بين "تسريع المحكمة وتمويلها" من جهة وبين تعامل دمشق مع الازمة اللبنانية من جهة ثانية، ليفتح المجال أمام الكثير من الشكوك والتساؤلات.

وهذا التأكيد نفسه اعتمدته كذلك هيئة الحوار الوطني في واحد من القرارات التي اجمعت عليها.

 ولنذهب اكثر من ذلك، فاذا كان للبنان مطالب معينة من سورية (ورد بعضها في قرارات هيئة الحوار الوطني كالعلاقات الديبلوماسية، وتحديد الحدود وغيرها) فأي محفل افضل من قمة عربية منعقدة في دمشق لبحث هذه الامور، ولحل الاشكالات القائمة، اذا كان هناك فعلاً من رغبة في الحل.

واذا تذكرنا ايضاً وايضاً، ان المبادرة العربية، في نسختها الاخيرة الصادرة عن مجلس وزراء الخارجية العرب في اوائل  اذار الحالي، قد نصت بوضوح على ضرورة بحث العلاقات بين لبنان وسورية في قمة دمشق العربية ألا تعتبر مقاطعة هذه القمة خروجاً عن "المبادرة العربية" ذاتها، بل تهرباً من بحث هذا الموضوع الحساس لما فيه مصلحة البلدين.

قد يقول قائل : لكن حجم التوتر بين أهل السلطة في بيروت والقيادة في دمشق كبير الى الحد الذي لا يسمح بالحوار المنتج والجاد، بل حتى بالعلاقة الطبيعية بين البلدين، ولكن نذكر هؤلاء ايضاً ان شبه حرب كانت تقوم بين المغرب والجزائر على مدى عقود  وان الحدود بينهما كانت مغلقة والاتهامات المتبادلة عنيفة، ومع ذلك لم تقاطع الجزائر قمة انعقدت في المغرب، ولا المغرب قاطع قمة في الجزائر، بل ان الجزائر والمغرب ومعهما المملكة العربية السعودية كانوا الثلاثي الذي سعى عبر لجنة شهيرة بعد قمة الدار البيضاء عام 1989 الى التمهيد لوقف الحرب اللبنانية وللوصول  الى اتفاق الطائف.

ولقد شهدت العلاقات الثنائية بين الدول العربية تاريخاً حافلاً بالتوترات لم يحل، الا فيما ندر، دون مشاركة الدول العربية في قمم انعقدت في دول كانت على خلاف حاد معها، بل إن بعض القمم شهد مصالحات عربية - عربية والامثلة كثيرة.

فهل نحن أمام مقاطعة لقمة، ام قطيعة بين بلدين، أين منها تلك القطيعة التي فرضتها حكومة خالد العظم في دمشق عام 1950، والتي وما زال البلدان يدفعان ثمنها حتى اليوم، وكانت آنذاك  مجرد قطيعة جمركية ونقدية لا قطيعة سياسية وامنية ومصيرية كالتي يحاول البعض دفعنا اليها اليوم.

يبقى سؤال اخير، ولكنه جوهري بالطبع، وهو كيف تريدون للسلطة في لبنان ان تحضر قمة في دمشق، فيما دمشق تعطل الحل السياسي في لبنان وتحول عبر حلفائها دون انتخاب رئيس للجمهورية.

والرد الافضل على هذا السؤال يكون بسؤال اخر، اذا كان امر انتخاب رئيس توافقي، كالعماد ميشال سليمان، مهماً للموالاة الى هذه الدرجة، فلماذا لا تفوت هذه الموالاة، على دمشق وحلفائها، "خطتهم التعطيلية" عبر القبول بحكومة وحدة وطنية لا يملك فيها اي فريق القدرة على الاستئثار والتعطيل (وهو ما تقوله المبادرة العربية)، وعبر القبول بقانون انتخاب منصف وعادل.

لكن الأمر على ما يبدو ابعد من ذلك واكثر ارتباطاً بمجمل ازمات اقليمية ودولية اعاد اهل السلطة ربط لبنان بها، بعد ان كان شعارهم فصل لبنان عن أزمة الصراع العربي - الصهيوني بحجة أنه لا يجوز ان يتحمل لبنان وحده عبء هذا الصراع، فاذ بنا نحمًله اعباء كل صراعات المنطقة، وهي أعباء لا يمكن للبنانيين التخفيف من اثارها السلبية عليهم الا عبر الوحدة الوطنية والمشاركة السياسية وهما حصنا السيادة والاستقلال والحرية.

المضحك - المبكي في قرار المقاطعة ليس في انه اظهر ان اهل السلطة في لبنان "ملكيون اكثر من الملك" فقط، بل في انه اسقط كذلك نظرية كان يجري الترويج لها عبر سنوات بان كل من يزور دمشق، او يسهم في دفع الضغوط عنها، هو جزء من المحور السوري - الايراني، فاذ بدمشق تستقبل زعماء العديد من دول الامة من محيطها الى الخليج الذين لا يستطيع احد، وباي المقاييس، اعتبارهم جزءاً من ذلك المحور، بل ان بعضهم معروف بصداقته لواشنطن لكن دون ان ينسى ان الصداقة شي... والتبعية شيء أخر، ناهيك عن ان بعض الغائبين عن القمة  كانوا الاكثر حفاوة بالرئيس الايراني حين زارهم او شارك في قمم اقليمية نظموها.

وفي الختام، هل يملك اهل السلطة الجرأة للرجوع عن قرارهم بالمقاطعة، ممتلكين بذلك شجاعة التراجع، وحكمة المراجعة.

وقديماً قيل  ان "الحكومة" تأتي من "الحكمة".

أطبع هذه المقالة أطبع هذه المقالة | أرسلها لصديق أرسلها لصديق | علق على المقالة (0 تعليقات) |



تعليقات القراء (0 تعليقات)

إضغط هنا لإضافة تعليقك

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
تتم مراجعة كافة التعليقات وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. يحتفظ موقع ArabianBusiness.com بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان. الرجاء أن تكون التعليقات ملائمة ومرتبطة بالموضوع المطروح.
الاسم:*
تذكرني على هذا الكمبيوتر
البريد الالكتروني: *
(لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني)
المدينة:
الدولة:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: *
رمز التسجيل: * Code


الرجاء انقر على كلمة "ارسال" مرة واحدة فقط. يتطلب نشر تعليقك على الموقع بعض الوقت.