-
In-house Cooperate & Commercial Lawyer/Legal Consultant
Industry: Legal
Location: Dubai, UAE -
Construction Associate
Industry: Legal
Location: Dubai, UAE
ثقافة التسوية مع الشريك ثقافة المقاومة بوجه العدو
بقلم معن بشور في يوم الخميس, 03 أبريل 2008
كانت الحرب على أشدها في أواسط الثمانينات، وكنا مجموعة من "المثقفين" من جذور عروبية نلتقي في منزل الأستاذ منح الصلح في إطار "اللقاء الوحدوي"، الذي بات اسمه بعد عام 1992 "اللقاء اللبناني الوحدوي" بعد أن اتسع ليضم عدداً من "المثقفين" الذين كانت تفصل بيننا وبينهم آنذاك متاريس الحرب وظروف تشطير الوطن، وأذكر للأستاذ منح كلاماً في تلك الاجتماعات اعتبره قاعدة ذهبية صالحة حتى الساعة يمكن الاهتداء بها.
فحين كنا نحاول إصدار بيان عن لقائنا الوحدوي غير "المكتمل" وقتها، كان منح الصلح يقول: "حين نصدر بياناً علينا أن نسأل أنفسنا إذا ما كان نظراء لنا، مؤمنون مثلنا بوحدة لبنان وديمقراطيته وعروبته وميثاقيته، ومن المقيمين في ما كان يسمى "بالمناطق الشرقية"، قادرين على التوقيع معنا على هذا البيان، فإذا اعتقدنا إنهم يفعلون، نصدر البيان وإذا اعتقدنا خلاف ذلك نحجم عن إصداره، فالحريص على وحدة الوطن وعلى إخراجه من أتون الحرب والتقسيم يجب أن ينظر إلى الوطن بأسره، إلى هواجس كل أبنائه، إلى حساسيات كل مكوناته كي يستطيع أن يخرج خطاباً يوحد كل اللبنانيين".
كانت لكلمات الأستاذ الكبير المجبول بخبرة شخصية عالية، وبإرث عائلي وطني ميثاقي عريق، الأثر الكبير في عقلي، وعقل إخواني، كما في وجداننا، واكتشفنا فيه علاجا شافياً ليس لوطن بدا للحظات أنه عصي على الشفاء من حرب حلت به، بل أنه أيضاً علاج لأمثالي ممن اندفعوا في لحظات الحرب الأولى في منطق يرى الحق والخير في جانب، والباطل والشر في الجانب الآخر، ليكتشف وبعد اشهر قليلة على تلك الحرب أن اخطر متاريسها كانت تلك القائمة في عقولنا قبل أن تكون في الشوارع، وليدرك أن المهمة الحقيقية للمثقف في بلد كلبنان، يواجه ظروفاً صعبة وقاسية، ليست في تبرير التصلب الداخلي والنزاع الأهلي، بل في تبريد العقول وتنقية النفوس، وتصويب البوصلة على قاعدة أن أبناء الوطن الواحد ينبغي أن يكونوا "أشداء على أعداء وطنهم رحماء فيما بينهم".
لقد أطلقت تلك المعادلة البسيطة، وكل معادلة صحيحة وأصيلة هي بالأساس معادلة بسيطة، برامج عمل واليات ومؤسسات، كان منها "دار الندوة" التي ولدت في ذكرى الاستقلال عام 1988، "واللقاء اللبناني الوحدوي" الذي ضم شخصيات ووجوهاً ثقافية مميزة، ومخيمات "شباب لبنان الواحد" التي حاولت أن تنزل بروح الحوار والمصالحة، أو بالأصح ترتفع بها، إلى الشباب الذين اجتمعوا، وما زالوا، من كل المشارب والبيئات والمناطق يتحاورون ويتجادلون ويبحثون فيما كان يبدو أنه ممنوع في ذلك الوقت، بل يدافعون عن بعضهم البعض إذا ما تعرض فريق منهم للملاحقة أو الاعتقال في تلك الأيام.
وكانت تلك الحركة،التي أطلقتها تلك المعادلة الوحدوية، أيضاً مشاركة فاعلة في أنشطة السلم الأهلي ورفض التقسيم فنجحت في تنظيم مسيرة ضمت مائة ألف لبناني من شطري بيروت عام 1987 التقوا على خط التماس في المتحف، وأزالوا بأظافرهم "الندية" متاريس الرمل التي كانت قائمة هناك، بالإضافة إلى حملات التبرع بالدم من كل لبناني إلى كل لبناني في محاولة لجعل الدم جسراً بين اللبنانيين لا حاجزاً.
يومها قال الأخضر الإبراهيمي، المبعوث العربي الذي نجح في التمهيد لاتفاق الطائف ووقف الحرب في اجتماع مع "اللقاء الوحدوي" في منزل الأستاذ منح الصلح : "أن تحركات المجتمع المدني اللبناني ضد الحرب، ومنها تلك المسيرة، قد أظهرت للعالم كله، وللعرب خصوصاً، أن بين اللبنانيين فئات واسعة تنبذ الحرب والتقسيم، وتنشد السلم والوحدة، وهو ما ساهم بدعم جهود السلام العربية آنذاك".
صحيح أن "السلم الناقص" الذي أنجبه اتفاق الطائف، وأعاد إنتاج العلاقات السياسية التي قامت قبل الحرب وخلالها، وبشكل أكثر انقساماً وتمذهباً، حاصر تلك الحركة، بعد انطلاقها، فيما زعزعت لعبة السلطة، والتوق إلى المناصب، دعائم تلك التجربة من داخلها، فبدأ الطموح الذي امتلأت به صدورنا وعقولنا يتآكل تدريجياً، فيما بتنا نرى مجتمعنا بأسره يدخل من جديد حلقة "الصراعات الأهلية المقفلة" التي رقص داخلها مثقفون لم تكوهم نار الحرب اللعينة بنارها بما يكفي، كما يفترض، فاندفعوا ولكن من مواقع جديدة هذه المرة، وربما من مواقع نقيضة لمواقعهم الفكرية والسياسية السابقة، مستخدمين المنهج ذاته، والخطاب ذاته، خطاب الحرب والتحريض والإقصاء والاتهام والتخوين والفرز والحسم.
وظن بعض هؤلاء المثقفين الموزعين على أكثر من تيار وفريق، أن المراجعة المطلوبة منهم هو أن يتراجعوا عن ايديولوجياتهم وعقائدهم وتراثهم الوطني، فيما كان المطلوب منهم أن يراجعوا خطابهم الإقصائي، ونهجهم الإلغائي، فالمشكلة ليست في عقائدهم، لان التنوع العقائدي والفكري في المجتمعات مظهر غنى وإثراء، وإنما في أساليب التعبير وسبل الممارسة وطرق التعامل من الآخر.
ومع الأيام اكتشفت أن ما ينقص العديد من مثقفينا بالإضافة إلى نزاهة القصد، وزهد المطالب، وتقشف الحياة، وسلامة المسلك، هو "ثقافة التسوية" التي حلّت مكانها "ثقافة التحريض"، ولغة "التفاهم" التي تراجعت أمام "لغة التصادم"، ومنطق التعامل مع ايجابيات الآخر لنحاصر سلبياته، انحسر امام نهج التركيز على سلبيات الآخر فلا نرى فيه ايجابية ننطلق منها لمعالجة السلبيات، بل أن البعض ظن أنه "بتسوية ثقافية" يقيمها بين ماض عقائدي له وحاضر براغماتي، يعوض عن نقص في "ثقافة التسوية" التي تحتاجها دائماً مجتمعات متوترة سهلة الاستدراج إلى انقسامات داخلية واحتراب أهلي.
ولعل من المفارقات اللافتة أن غياب "ثقافة التسوية" مع الشريك في الداخل وبين أبناء الوطن الواحد قد رافقها ترويج لثقافة التسوية في الخارج مع أعداء طامعين بالوطن لم يتورعوا، ولن يتورعوا، عن مواصلة الاحتلال والعدوان والقتل الجماعي بحق أطفال شعبنا وشيوخه والمدنيين فيه.
إن نقطة البداية في قيام دور فاعل للمثقف اللبناني من إجل تجنيب الوطن الحروب الاهلية هو أن ينخرط كفرد، وكجماعة، في ورشة فكرية وسياسية وإعلامية كبرى تحت عنوان واحد هو "ثقافة التسوية" أي ثقافة فهم هواجس الآخر ومعاناته، ثقافة تحسّس مخاوفه ومصدر قلقه، ثقافة لا يتخلى فيها المثقف عن موقفه الفكري والسياسي الأصلي، أيا كان، ولكن لا يحول هذا الموقف إلى متراس نفسي وفكري وعاطفي يطلق من خلفه النار على أصحاب المواقف الأخرى.
ومرجعية هذه الثقافة في بلد كلبنان تكمن في الروح الميثاقية التي ولدت مع استقلال لبنان 1943، بل ولد استقلال لبنان معها، والتي ولدت مع السلم الأهلي عشية اتفاق الطائف 1989، وولد معها هذا السلم وذاك الاتفاق، على الرغم من إدراكنا أن الاستقلال بقي منقوصاً لأن دولته العادلة لم تقم، وان السلم الأهلي بقي منقوصاً لأنه لم يسع منذ اللحظة الأولى أن يفتح ذراعيه لكل اللبنانيين فبقي أسير قوى الحرب والمال والتحالف بينها.
وفي هذا الزمن الذي بلغ فيه الاستقطاب حداً لم يعرفه لبنان من قبل، وفي أيام لم يعد مسموحاً فيها للمثقف بأي هامش نقدي، فيما النقد من وظائف المثقف وسماته الأساسية، وجد المثقفون الأحرار أنفسهم محاصرين بين منطقين احدهما يطالبهم باسم "الحرية والسيادة والاستقلال" أن يعلنوا العداء للطرف الآخر ويخرجونه من الوطن، مهما كان وزن هذا الطرف كبيراً في البلاد، والمنطق الآخر يطالب باسم "مقاومة المشروع الصهيوني - الأمريكي" أن تمتنع عن تسجيل أي نقد لأداء أو ممارسة أو تقدير سياسي يمكن أن تراه خاطئاً.
غاب العديد من هؤلاء المثقفين الأحرار عن السمع، وباتت المنابر على أنواعها مفتوحة "للمثقف الحدّي" - لا الجدي - الذي يطرب حلفاءه بدلاً من أن يفيدهم، ويتغنى بمزاياهم بدلاً من أن ينبه إلى انزلاقاتهم، وغابت مع هؤلاء المثقفين ثقافة التسوية - حتى لا نقول ثقافة الوحدة - علماً أن ما من أمر يصون "السيادة والحرية والاستقلال" كالوحدة والتسوية الداخلية والمشاركة الوطنية، كما أنه ما من أمر يحصن المقاومة في وجه المشروع الاستعماري - الصهيوني كالتضامن الوطني، والميثاقية الجامعة القائمة على إخضاع كل تعارض ثانوي لمنطق التناقض الرئيس.
ثقافة التسوية هي أن تجيد التنازل لشريكك في الداخل حين تكون قادراً، وان تدرك أن هذا التنازل شجاعة وشرف ومنعة وحصانة لك من أن تتنازل للخارج.
ثقافة التسوية أن تفهم معاناة البيئة الأخرى وهواجسها وان تسعى إلى نقلها إلى أبناء بيئتك، ولو ادى الأمر إلى خسارة لموقعك في البداية فهي خسارة تبقى اقل بكثير من الخسارة الناجمة عن تحريض بيئتك على البيئات الأخرى وعلى مجاملة أبناء خطك السياسي على غير حق، وعلى المزايدة لكسب ودهم وربما "دعمهم" أو أصواتهم.
ثقافة التسوية هي ثقافة تشذيب العصبيات لا إطلاقها على مداها، وثقافة تهذيب لغة التخاطب لا السقوط في "التشاتم"، وهي ثقافة تصويب الاتجاه لا الاندفاع في أتون الهاوية، ثقافة نقد الذات قبل نقد الآخرين.
ثقافة التسوية هي ثقافة الدفاع عن حق من تختلف معه في الرأي في وجه كل من يحاول قمعه أو منعه، بل هي ثقافة القدرة على إقناع الآخر والاستعداد للاقتناع منه.
ثقافة التسوية هي ثقافة المشاركة والتراحم في أن، لا الوقوع في شرك المحاصصة والتقاسم، فالأولى سمو وتكامل، والثاني دنو نفس وانحطاط خلقي وسياسي.
ثقافة التسوية، تبدأ بالخروج من المنطق "البوشي" - نسبة إلى جورج بوش- الذي يعتبر أن من ليس معه فهو ضده، وهو منطق ليس بعيداً عن واقعنا اللبناني والعربي، بحيث لا ندري من أخذه عن الآخر، نحن أم جماعة "المحافظين الجدد" الذين باسم "الليبرالية الجديدة" أقاموا أكبر ديكتاتورية دموية في العالم.
ثقافة التسوية هي الوجه الحقيقي لثقافة المقاومة - بالمعنى الواسع والشامل - لأنها تحصنها من شرور الانزلاق في زواريب الداخل ومتاهاته، ولا غرو هنا أن نتذكر أن من ركائز الميثاقية الوطنية اللبنانية التي حملها البيان الوزاري الاستقلالي لحكومة رياض الصلح هو القول الشهير "لبنان لن يكون للاستعمار مقراً أو ممراً" فالتسوية في الداخل هي ضمانة للصلابة بوجه الأعداء في الخارج، اما الانقسام والاحتراب فهما وقوع في مخطط الأعداء، بل إنهما اقصر الطرق إلى التفريط بالثوابت.
