طوابير رغيف الخبز
بقلم بقلم أنيس ديوب في يوم الأحد, 06 أبريل 2008
منذ فترة طويلة لم أسمع حكايات عن طوابير الخبز في الدول العربية، لا سيما وأن قصص وحكايات تلك الطوابير هي من قبيل حكايات ألف ليلة وليلة بل من حكايات المضحك المبكي إن صح التعبير.
لقد كانت قصص طوابير الخبز في السبعينيات من القرن الماضي الشغل الشاغل لأبناء العديد من الدول العربية. ولم تكن هناك فقط طوابير على الخبز، بل كانت هناك طوابير على السمنة والزيت والسكر والأرز والمعلبات بأنواعها، لا بل كانت هناط طوابير على علب المحارم الورقية في دول كانت ترفع شعار الاشتراكية قبل أن تنهار تلك الاشتراكية مع انهيار جدار برلين والستار الحديدي وأنظمة مجموعة الدول الاشتراكية في أوروبا(نعم في أوروبا فقط وليس في الدول العربية أو دول العالم الثالث) وغيرها الكثير!.
ومن قصص الطوابير، أنه في أحد أحياء القاهرة تمكن الأهالي الواقفون أمام طوابير الخبز من ضبط رجل تنكر في زي امرأة منقبة من أجل الحصول على الخبز بسرعة حيث من المعروف أن طوابير النساء أخف وطأة من طوابير الرجال. فبينما يستغرق شراء 10أرغفة 4 ساعات في طوابير النساء يستغرق الأمر 7 ساعات في طوابير الرجال.
وقد انهار الرجل المنقب باكياً بمجرد كشف أمره، حيث أكد للحاضرين أنه فعل ذلك من أجل العودة بسرعة إلى أسرته، غير أن المتواجدين لم يتضامنوا معه وذهب بعضهم إلى القول أنه فعل ذلك من أجل التحرش بالنساء.
جدير بالذكر أن عدد الذين قتلوا في طوابير الخبز على مدار الشهرين الماضيين في مصر بلغ 50 شخصاً وهو عدد يتجاوز من يستشهدون شهريا في غزة تقريباً قبل العدوان الإسرائيلي الأخير.
وبسبب طوابير الخبز،أطلق الشيخ يوسف البدري فتوى في بلاد الكنانة أكد فيها أن من يسقطون قتلى في "ساحات النضال" أمام المخابز، وأثناء وقوفهم في الطابور للحصول على الخبز المدعم هم من الشهداء.
ولتفسير سبب اعتبارهم شهداء، أوضح البدري ، أن الأدلة القوية من الأحاديث الشريفة تؤكد على أن قتلى المخابز ينتمون للفئة الثانية من الشهداء الذين يطلق عليهم "شهداء الدنيا والآخرة".
وسواء كانوا ضحايا أم شهداء فان مواطنا مسنا من محافظة الدقهلية يعمل ماسح أحذية ولديه 4 أبناء، سقط مغشيا عليه من كثرة الزحام أثناء محاولته الحصول على عدة أرغفة. كما فوجئ أهالي قرية «أوليلة»، بمحافظة القليوبية، بسقوط شخص مغشيا عليه من شدة التزاحم في الطابور أمام مخبز القرية، فأسرع الأهالي بنقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في الطريق.
وأمام مخبز بمدينة الأقصر، لفظ موظف أنفاسه بعد تشابك بالأيدي مع شاب في منتصف العشرينات من العمر.
وسقط حارس عقار في مدينة القاهرة ضحية لطابور العيش دفاعا عن زوجته التي انهالت عليها السباب والشتائم لخروجها من الطابور، ولم يتمالك الزوج أعصابه، فراح يعاتب عامل المخبز الذي اعتدى على زوجته بالقذف والسب، واشتعلت حدة المناقشة، فأخرج العامل مسدسا غير مرخص، وأطلق رصاصة في بطن حارس العقار انتهت بمقتله.
كما حدثت مشاجرة ضخمة بالسكاكين بين أفراد طابور الخبز في أحد أحياء القاهرة.
وسقط قتيلان وأصيب 17 في اقتتال أمام مخبز في حلوان.
وفي قرية دهشور بمحافظة الجيزة نظم العشرات وقفة احتجاجية على عدم توافر رغيف الخبز وسرقة أصحاب المخابز الدقيق المدعم، وتجاهل الحكومة شكاواهم، وخصوصا بعد أن كاد الصراع اليومي للحصول على الرغيف يودي بحياة سيدة، عندما طعنها أحدهم بالسكين أثناء وقوفها في الطابور.
ورغيف الخبز هذا بحث في اجتماع وزاري برئاسة الرئيس حسني مبارك الذي استمع فيه لتقرير من رئيس الوزراء ومن الوزراء المختصين، وخصوصاً وزير التضامن الاجتماعي حول مشكلة رغيف الخبز وأسعار السلع الغذائية الأساسية.
وشدد مبارك على المسئولية الكاملة للحكومة والمحافظين في تأمين رغيف الخبز للمواطنين.
ووصلت أزمة الخبز حدا جعل نوابا بالبرلمان يتهمون دولا أجنبية بالتسبب في الأزمة. وقال أحدهم أن القمح المستورد من أمريكا ملوث بالإشعاع بهدف قتل المواطنين المصريين.
والخبز هذا أحدث حروبا وثورات وانتفاضات وليس فقط اشتباكات على أبواب المخابز.لقد اعتقدنا أن الدول العربية نجحت منذ سنوات بتأمين الخبز لمواطنيها،لكن الواضح أن ذلك لم يكن صحيحا.

