كعكة الإعلانات تسمم المشاهد العربي
بقلم وائل مهدي في يوم الاثنين, 14 أبريل 2008
توصل التقرير الصادر عن الوكالة الإعلامية العالمية ZenithOptimedia إلى أن الإنفاق على الإعلانات في الإمارات ارتفع من 869 مليون دولار إلى 1.3 مليار دولار عام 2007 بمعدل نمو بلغ 54% مما يعد المعدل الأعلى في الشرق الأوسط.
وقال التقرير إذا تواصل النمو كما كان عليه في 2007، فإن الإنفاق في الإمارات سيبلغ أكثر من 2 مليار دولار في عام 2010.
وتوقع التقرير إلى أن تحتل روسيا صدارة المساهمين في نمو الإنفاق الإعلاني في العالم بين أعوام 2007 -2010 بمعدل نمو نسبته 92% ، تتبعها الصين بنسبة 61.5% ، والشرق الأوسط بنسبة 54.2%، ثم الهند بنسبة 52.2%، والبرازيل بنسبة 46.6%، وأخيراً جنوب إفريقيا بنسبة 45.7%.
وتوصل التقرير أيضًا ً إلى أن الإنفاق على إنترنت سيبلغ 9.7% من الإنفاق الإعلاني في العالم عام 2008 و سيصل إلى 67 مليار دولار في عام 2010 أي 12.3% من حجم سوق الإعلان العالمي الذي توقع التقرير أن يصل إلى 553 مليار دولار في عام 2010.
سوق إعلانية واعدة في منطقة تشهد نمواً اقتصاديا كبيراً، وكل المطبوعات والمواقع والقنوات المرئية والمسموعة وشركات الدعاية والإعلان والعلاقات العامة تنظر بشره إلى هذا السوق وتسعى بصورة كبيرة إلى الاستفادة من هذه الظروف للظفر بالقارئ والمشاهد وبالمعلن لزيادة أرباحها.
وبالحديث عن الإعلام العربي، فإن السؤال الأهم هنا هو أين القارئ والمشاهد العربي من كل هذا؟ لن أتحدث كثيراً عن المشاهد وسأخصص المساحة بصورة أكبر للحديث عن القارئ. وهنا سأتساءل هل ستستطيع المواقع الإخبارية والصحف والقنوات الإخبارية من أن تنافس في هذه السوق لتحقيق أهدافها الربحية بدون أن تستغل القارئ العربي وأن تجذبه إليها لمجرد أن تسلمه للمعلن الذي يبحث عنه من خلال كل الوسائل الإعلامية؟
وهل ستتمكن القنوات الإعلامية المختلفة (صحف، مجلات، مواقع إنترنت، محطات تليفزيونية) من تحقيق أهدافها الإعلامية والتحريرية والتي تستوجب الاستحواذ على رضا وذوق القارئ العربي والارتقاء بفكره بدون أن تأثر الأهداف التجارية على باقي الأهداف؟
أين سيكون القارئ والمشاهد في سوق تسطير عليه القوائم المالية ورغبات مجلس الإدارة والسياسة وتوجهاتها والشركات المعلنة وأخبارها السطحية؟
وسأبدأ حديثي عن القارئ والمشاهد العربي الذي لا يعلم كثيراً عما يحدث في الكواليس من استغلال له ولفكره ولمشاعره وأحاسيسه. أن القارئ والمشاهد العربي يشكل تحدياً كبيراً ً لأنه قارئ ومشاهد بسيط تحركه الغرائز في نوعية الأخبار التي يتابعها ولهذا من الصعب أن يخاطب الإعلام فكره إذا ما أراد الإعلام أن يصل إليه. ولا يزال الاهتمام بالجانب الاقتصادي لدى المواطن العربي ضعيفا ومحدوداً فما زال القارئ العربي سجين للرياضة والسياسة وأخبار الفن والفنانين التي لا تضيف إلى كفاحه وإلى فكره شيئاً كبيراً.
ويوجد تحدي آخر فالقارئ والمشاهد العربي فاقد للثقة في مصداقية الإعلام العربي بصورة عامة بعد أن تم "تسييس" الإعلام لعقود طويلة. ولم يبدأ الإعلام العربي في التحرر من السياسة وقيودها حتى هجمت عليه شركات الدعاية والإعلان والعلاقات العامة والشركات التجارية المعلنة.
ولو أردت أن أتحدث عن التجربة الإعلامية بصورة كبيرة لما كفاني الوقت ولهذا سأتحدث عن جوانب بسيطة لما يحدث إعلامياً حتى نرى ما إذا كنا سنرى نوراً في نهاية النفق أم أن المواطن سيستمر في السير في النفق المظلم لسنوات أخرى قادمة. وسأتناول ببعض التركيز الإعلام الاقتصادي الذي يناقش ويتابع المال وهو "عصب الحياة".
المال هو عصب الحياة والسعي والكسب وراء الرزق فريضة تفرضها الطبيعة الإنسانية والتوجهات الدينية لأديان المنطقة العربية. وكان حتما ولزاماً أن يبدأ القارئ بالاهتمام بهذا الجانب المهم.
ولكن الأسواق المالية العربية مجرد أضحوكة كبيرة لا تستحق التحليل أكثر من المتابعة. إذ أن الأسواق المالية هي أسواق تسيرها المضاربات أكثر مما تسيرها العقليات الاستثمارية. وعندما أشاهد التحليل الاقتصادي والمالي لقناة "العربية" الفضائية مثلاً، لا أجد تحليلاً أكثر مما أجد عرضاً لما يحدث ولا أتوقع أن الباحث عن المعلومة الاقتصادية يحتاج إلى معرفة كم في المائة ارتفع أو أنخفض سهم شركة بقدر ما يحتاج إلى معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الارتفاع والانخفاض.
ولن يتغير الحال ولن يأتي أحد بأي جديد في الجانب المالي إذ أن الأسواق تسير خلف المضاربات والإشاعات التي لا يوجد تفسير منطقي لها. وتبقى كل المحاولات لتغطية هذه الأسواق هي مجرد شكليات بعد أن انهارت هذه الأسواق بسرعة وبعد استثمرت القنوات والشركات الإعلامية الكثير من الأموال في جذب المصرفيين والماليين مثل صبا عودة ونادين هاني ولارا حبيب، للظهور على شاشاتها.
فنادين هاني تحمل ماجستير في إدارة الأعمال من بيروت. عملت قبلا في عدة مصارف. محطتها الإعلامية الأولى كانت مع قناة الـ«سي أن بي سي عربية» في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2003، حتى أغسطس (اب) من عام 2005 حين انتقلت من الـ«سي أن بي سي» إلى قناة «العربية»، كمذيعة للاقتصاد وأسواق المال.
وصبا عودة درست إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية ببيروت، وعملت مستشارة اقتصادية في بنك استثماري في لندن لمدة خمس سنوات، وبعدها عملت في بنك «ميريل لينتش» لأربع سنوات، ثم انتقلت إلى محطة «سي أن بي سي» العربية، بعد ذلك انتقلت كمذيعة لأسواق المال في قناة «العربية».
وأما لارا حبيب، فهي خريجة الاقتصاد وتحمل ماجستير في إدارة الأعمال. وعملت لارا بداية في العديد من البنوك، أهمها بنك «بلوم» في لبنان، ثم انضمت إلى قناة الـ«سي أن بي سي عربية»، كمذيعة اقتصادية واتنقل هي الأخرى إلى قناة «العربية».
وإذا ما أردت الحديث عن التغطية الإخبارية للأسواق المالية فإنني سأقول وباختصار أن ما حدث بين العام 2003 و 2006 هو مجرد استغلال للمشاهدين والقراء من قبل القنوات الاقتصادية المتخصصة مثل قناة "السي أن بي سي" العربية أو حتى قناة "العربية". والتاريخ يؤكد صحة ما أقول.
دخلت القنوات الإخبارية العالمية المتخصصة إلى أسواق آسيا قبل سقوطها في عام 1997 ليس بهدف توعية المشاهد بقدر ما هو استغلال لنهم المشاهد الذي كان يبحث عن معرفة ما يحدث في الإقتصاديات الشرق أسيوية التي كانت الأسرع نمواً في العالم قبل الأزمة الأسيوية في عام 1997.
كانت القنوات (وعلى رأسها السي إن بي سي) تقدم تغطيات مميزة وحصرية ومكثفة ولكن بدون أن تكشف الحقائق للمشاهد. وظهر حينها جيل من المحللين المأجورين الذين حرصت الشركات المالية على وجودهم في القنوات لجذب الاستثمارات إلى محافظها وصناديقها. وظهر جيل من الاقتصاديين الذي يطبلون ويزمرون ويهللون بحمد السوق ونموه القوي حتى جاءت لحظة الانهيار والتي لم تتحمل القنوات الاقتصادية وقتها جزء من المسئولية لمشاركتها في التعتيم حول ما أدى إلى الانهيار.
ويعيد التاريخ نفسه وجاءت القنوات ذاتها لتغطية المنطقة وزادت قنوات المنطقة الإخبارية من تغطيتها للحدث المالي. وظهر جيل من المحللين المأجورين في المنطقة القادمين من شركات الوساطة المالية، والاقتصاديين المغمورين الذين همهم الظهور على شاشات التلفاز أكثر من حرصهم على إظهار حقيقة الأسواق وما يحدث فيها من تلاعب واستغلال لكسب وعرق المساكين والأبرياء.
إذ لو تجرأت أحد القنوات على القول بأن الاستثمار خطر في الأسواق المالية العربية والخليجية خاصة لتوقفت هذه القنوات عن البث ولظهرت قنوات أخرى تروج بضاعتها الكاسدة.
ولنتوقف قليلاً عن الحديث عن الإعلام الاقتصادي الذي أستغل تتطلع الملايين إلى متابعة الأسواق المالية العربية وما يحدث فيها بدون أن يزيد من وعي المستثمرين ويطلعهم على حقائق الأمور.
ولننتقل للحديث عن السوق الإعلامية العربية التي أصبحت تسيطر عليها الشركات الإعلانية "اللبنانية" وأصبحت هي التي تتحكم في نوعية المواد الإخبارية والبرامج التليفزيونية. وهذه الشركات اليوم هي التي تحدد نوعية البرامج التي ترغب في الإعلان فيها. ولا يستطيع أحد في الشركات الإعلامية أن يقف في وجه الشركات الإعلانية ويقول لها أن هذه البرامج التي تهتم فيها وتدعمها ما هي إلى برامج سطحية لا يستفيد منها المواطن العربي شيئاً. والشكر هنا موصول إلى الشركات الخليجية الضخمة التي سلمت ذقونها إلى الشركات الإعلانية "اللبنانية" ووضعت تحت تصرفها ميزانيات ضخمة تصل إلى المليارات وساعدتها على التحكم في الإعلام العربي.
ومن ثم بزغ نجم جديد في سماء الإعلام وهو نجم شركات العلاقات العامة التي هي أيضًا تزاحم الشركات الإعلانية في التحكم بصفحات الصحف والمجلات. وهذه الشركات تمثل الشركات التجارية الضخمة التي تسعى إلى نشر أخبارها بالطريقة التي تناسبها وتعجبها من دون أن يعترض عليها أحد. وأصبحت الصفحات الاقتصادية في الصحف والمجلات في مجملها هي عبارة عن بيانات صحفية من شركات العلاقات العامة.
ولو تركنا كل هؤلاء جانباً فلن ينجو المشاهد من رجال الأعمال الباحثين عن الثراء من خلال الإعلام وامتلاكهم لعقول وقلوب الملايين. فكل ما يهم هذه الفئة هي القائمة المالية التي تنشر كل فصل أو كل نصف عام أو في نهاية كل عام. ولا يهتم أحد بالرسالة التي تبعثها المؤسسة الإعلامية التي يمتلكونها. ويزداد الأمر سوءاً عندما يأتي أشخاص عندنا على طراز روبرت مردوخ الذي لا يهتم سوى في المال والتركيز على الفضائح والجرائم وأخبار الجنس. ويوجد لدينا توجه جديد في الإعلام العربي وهو الحديث عن المرأة السعودية وحياتها لجني الأرباح من جهة ولإرضاء بعض رجال الأعمال الذي يتملكون محطات البث التليفزيوني من جهة أخرى.
أين رغبات المشاهد وأين الفكر الذي تحاول الآلة الإعلامية العربية أن تنشره وتدعمه؟ أن الفكر الذي يحاول الجميع دعمه هو فكر القائمين على شركات الإعلان والعلاقات العامة من جهة وفكر الشركات التجارية التي لا تهتم سوى في الوصول إلى القراء وأن تفرض أخبارها السطحية والتي لا تحوى شيئاً غير تلميع للصورة غالباً ما يكون غير حقيقياً.
أن القارئ والمشاهد العربي مستغل وسيظل كذلك وكلما كبر سوق الإعلان كبرت سيطرة الشركات الإعلانية على سوق الإعلام وتراجع دور المؤسسات الإعلامية في تسييره. مسألة معقدة تحتاج الكثير من التفصيل لتبيين الحقيقة.
ولو تكلمنا عن مصر في خضم كل هذا لا أجد الكثير غير أن الإعلام المصري لن ينجح طالما يبقى تحت رحمة السياسة وأهوائها واتجاهاتها أم الخليج فهو تحت رحمة القطاع الخاص التجاري والإعلاني. ولبنان هي الأداة التي تستخدمها الشركات الخليجية وأثرياء الخليج في تحقيق أهدافهم الإعلانية. ويبقى المستقبل مجهولاً للقارئ والمشاهد العربي.
آخر مقالات الموقع
آخر مقالات لتسويق وإعلام
أيضا في تسويق وإعلام
آخر الآراء وتحليلات
تعليقات القراء (2 تعليقات)
المرسل عبدالرحمن السامعي, صنعاء, اليمن في 06 مايو 2008 - 13:57 بتوقيت الإمارات العربية المتحدة
ذابة قلوب الناس ذابة بنا النخوة
يمكن نسينا في يوم انالعرب إخوة
المرسل عبدالرحمن السامعي, صنعاء, اليمن في 06 مايو 2008 - 13:52 بتوقيت الإمارات العربية المتحدة
ماهي الفائده وراء الإهتمام بالشخصيات الهابطة والمواضيع السخيفة وماهي الدوافع التى تجبرالاعلام العربي على إرتكاب مثل هذه الاعمال
اليس الاجدار بالاعلام العربي مناقشة الخلافات العربية العربية ووضع الحلول للتقريب بين وجهات النضر ووضع برامج توعوية في الجوانب المختلفةإقتصادية إجتماعية فكرية ثقافية ............................... عسكرية لتعزيز الشراكة العربية والحضارة التى صارت في ذمة التاريخ والذي يتحمل السبب الكبير فيها هو الاعلام العربي السطحي الترفيهي 100\100

