الموت جوعا والبسكويت والخبز
بقلم أنيس ديوب في يوم الجمعة, 18 أبريل 2008
ها هو وجه ماري أنطوانيت ملكة فرنسا السابقة يطل من جديد على عالم القرن الحادي والعشرين بدلا من القرن الثامن عشر بعبارتها الشهيرة التي قالتها عندما رأت حشود الجائعين الفرنسيين وهم يتظاهرون أمام القصر مطالبين بالحصول على الخبز قوت يومهم ليسدوا به رمقهم.
حينها قالت ماري أنطوانيت عبارة دخلت هي وصاحبتها التاريخ من أوسع أبوابه "فليأكلوا البسكويت بدلا من الخبز".
هذه العبارة الشهيرة التي سبقت سقوط قصر الباستيل رمز الطغيان في ذلك العصر،حضرت بقوة خلال الأيام الماضية مع عبارات أخرى صدرت عن جهات مختلفة في كافة أنحاء العالم.
فهاهي الأمم المتحدة تعلن عبر مقررها الخاص لشئون الحق في الغذاء جون زيجلرأن الأزمة الراهنة المتمثلة في ارتفاع أسعار السلع الغذائية الرئيسة بشكل كبير مثل الأرز والقمح وحتى الشعير والذرة وغيرها من المواد الغذائية الأساسية تنذر بــ "مذبحة وشيكة" وأن العالم يتجه نحو فترة طويلة من الصراعات والإضطرابات الإقليمية التي لا يمكن السيطرة عليها وتتسم بحالة من اليأس لأكثر الفئات السكانية تضررا.
وبعد تعبير المذبحة الوشيكة حذرت مجموعة تابعة للامم المتحدة، من "كارثة محدقة" إذا لم يتم تطبيق اصلاحات جذرية للقطاع الزراعي، لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة أزمة الغذاء المتفاقمة.
وقبل يومين قالت شخصيات أردنية أن أزمة الغلاء سوف "تطحن السكان"إذا لم يتدخل الملك إلى جانب الفقراء.
وعلى الرغم من أن أزمة الغلاء تنشب أظافرها عربياً من المحيط إلى الخليج دون أن تستثني أحداً أو مكاناً أو شعباٍ،فإن الشخصيات التي تمثل زعماء قبليين ووجهاء عشائر ووزراء ونواب سابقين ومهنيين في الأردن قالت أن ضغوط المرحلة الراهنة تحول معظم السكان إلى "طبقة كادحة" بسبب "ذوبان الطبقة الاجتماعية الوسطى" لصالح القلة الثرية وأن الفساد أنتج "طبقة ديماغوجية طفيلية" لا هم لها سوى الثراء.
وورد في الرسالة أيضا عبارة "طبقة الأردنيين المسحوقة". وكانت أحزاب أردنية قد توقعت "انفجاراً اجتماعياً كبيرا"بسبب الارتفاع الحاد في الأسعار في المملكة.
ومما سمعته أيضا خلال الأيام الماضية عبارات مثل "امتصاص دماء الفقراء" و "حروب الجوع".
كل تلك العبارات أعادتني إلى أيام "التطاحن" بين النظامين الشيوعي والرأسمالي منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية "أوزارها" في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي.
ولاحظت أن هذه العبارات التي كنت أعتقد أنه قد طواها النسيان بدأت تأخذ طريقها ليس إلى أخبارنا وصحفنا ومجلاتنا بل إلى عقولنا أيضاً.
وإذا ما أخذنا كل هذه العبارت وغيرها بالحسبان فإننا سنصل حتما إلى استنتاجات مرعبه ترسم مستقبلا قريباً جداً يتسم بقدر كبير من القتامة ينتظر فقراء العالم الذين كانوا على مر التاريخ ليس فقط وقوداًٍ للحروب، بل وقود للمجاعات أيضاً وللأوبئة والأمراض وحتى الكوارث الطبيعية.
مساكين هم الفقراء الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان الأرض. فهم وقود لكل شيئ تقريبا في هذا العالم رغم الدعوات الكثيرة التي تتجمع في الأفق كما الغيوم التي سرعان ما تتلاشى بعد قليل من إطلاقها من كل حدب وصوب، ومن قبل أكثر من منظمة وحكومة وحزب.
اليوم سمعت عبارة "الليبرالية الشرسة" لتضاف إلى عبارات مثل "الرأسمالية المتوحشة ".
وهذه العبارات ذكرتني بكتاب صدر قبل نحو 10 سنوات عنوانه "تقرير لوجانو مؤامرة الغرب الكبرى"يتحدث عن خطة لتقليص عدد سكان العالم من 6 مليارات حاليا إلى 4 مليارات فقط باعتبار أن هذا الرقم هو رقم مثالي تماما لتعداد البشر على سطح الأرض وهو يقدم أفكارا خطيرة لكنها تلبس رداء العلمية والموضوعية. مؤلفة الكتاب هي سوزان جورج وهي خبيرة أمريكية في قضايا التنمية، أما لوجانو فهي مدينة سويسرية.
والكتاب بنظر المحللين حتى الغربيين منهم، أحد أخطر الكتب التي ظهرت في الغرب عن العولمة وفلسفتها وأساليب الليبرالية الشرسة والرأسمالية المتوحشة لأنه يمثل تيارا فكريا جديدا يريد التهام الفقراء في عالم اليوم وليس الأغنياء بالطبع.
وإذا ما عرفنا أن الفقراء يشكلون، وفق أكثر الإحصائيات تفاؤلا، نسبة تزيد عن 84 بالمائة من سكان كوكب الأرض، سنرى أن رقم الـ 4مليارات نسمة ربما يتراجع إلى مليار واحد تقريبا أليس كذلك؟

