البترول والغلاء والحلقة المفرغة
بقلم أنيس ديوب في يوم الجمعة, 16 مايو 2008
من يوقف الدوران في الحلقة المفرغة المتمثلة في ارتفاع أسعار النفط الذي يقود بدوره إلى زيادة نسب التضخم عالميا وارتفاع أسعار كل الواردات من جميع أنحاء العالم بلا استثناء؟
نعم من يوقف هذه الدورة الجهنمية التي صارت أشبه بسلسلة من التفاعلات الكيميائية التي يؤدي بعضها إلى البعض الآخر، والتي يقود أولها إلى آخرها، وترتبط نهاياتها ببداياتها؟.
يرتفع سعر البترول دولارا أو اثنين أسبوعيا، فترتفع أسعار المنتجات الصناعية والغذائية بل وأسعار كل شيئ من الإبرة إلى الطائرة كما يقال، ومن قطعة الجبن إلى الجاموسة.
ليس ذلك فقط بل ترتفع أسعار العقارات والإيجارات والمواصلات والمحروقات وبطاقات الطائرات، بل وحتى الخبز وأية مادة غذائية أخرى من سيدني شرقا إلى سان فرانسيسكو غربا ومن هيلسنكي شمالا إلى رأس الرجاء الصالح جنوبا.
وأسعار البترول التي اخترقت بسهولة حاجز الـ 125 دولارا وتقترب من اختراق حاجز الـ 130 من دون أن يعلم أحد، ودون أن يستطيع أحد التنبؤ بالمستوى الذي ستقف عنده، زادت من أنين وصراخ الفقراء حول العالم من دون أن يسمعهم أحد، لآن ضجيج الأغنياء وللسبب ذاته قد غطى على أنين الجياع.
قبل فترة، وعندما كانت أسعار النفط تستعد لاختراق حاجز الـ 100 دولار للبرميل، حذر اقتصاديون من الانعكاسات السلبية على أسعار المنتجات الاستهلاكية والغذائية بالإضافة إلى الإيجارات والعقارات.
وحينها قال هؤلاء أن تجاوز أسعار النفط العالمية تلك المستويات، سيولد مشاكل اقتصادية أبرزها زيادة معدلات التضخم العالمية.
ورأى هؤلاء أيضا أن النتيجة الإيجابية الوحيدة لارتفاع أسعار النفط هي أن ذلك سيساعد حكومات الدول المنتجة والمصدرة للنفط على ملئ خزائنها وصناديقها الاستثمارية السيادية وعلى الدخول في مشاريع اقتصادية جديدة، والإسراع في إنجاز العديد من المشاريع التنموية التي تعمل على تحسين البنى التحتية والاهتمام بالقطاعات الخدمية التي تمس حياة مواطنيها.
وللحقيقة فإن بعض الدول العربية الخليجية المنتجة للنفط، قد عمدت إلى زيادة رواتب موظفيها مستفيدة من تراكم السيولة المالية التي تدخل خزائنها جراء ارتفاع أسعار النفط.
ورغم تلك الزيادات في الرواتب، فإن شكوى مواطني الدول الخليجية من الغلاء، سواء كانوا من موظفي الحكومة أو من موظفي القطاع الخاص الذين لم "ينعموا" بالزيادات لم تتوقف لحظة واحدة.
وإذا كان هذا هو حال من أخذوا نصيبا من سيولة البترول، فكيف هو حال المقيمين في تلك الدول ممن لا يعملون مع الحكومات، أو ممن يعملون مع القطاع الخاص الذي يئن هو الآخر بدوره تحت وطأة الأزمة؟.
إن عملية "التقريش" في الدول المستهلكة للبترول لا تتوقف دقيقة واحدة. فكل ارتفاع في أسعار البترول يتم "تقريشه" أي إضافته فورا على فواتير أسعار صادرات تلك الدول، سواء إلى الدول المنتجة للبترول أو إلى الدول غير المنتجة للبترول، لا فرق بينهما أبدا.
المهم بالنسبة للمصنعين والمصدرين في تلك الدول، هو الحفاظ على حجم رأس المال ونسبة الأرباح، مع الأخذ بعين الاعتبار ولو قليلا، المنافسة التصديرية بين الدول الصناعية.
هذه هي الحال. هؤلاء يأخذون باليمين ما دفعوه باليسار، لا بل أن العارفين ببواطن الأمور يؤكدون أن الدول الصناعية والمصدرة بلا استثناء، تأخذ باليمين أضعاف ما تدفعه باليسار.
وإذا كان مواطنو الدول البترولية الغنية يشكون من وطأة الغلاء، فماذا يقول مواطنو الدول العربية التي تعاني منذ عشرات السنين من اختلال كبير في معادلة الدخل والانفاق، لصالح الانفاق طبعا، ومن اختلال كبير في معادلة الرواتب والأجور من جهة، والغلاء والتضخم من الجهة الأخرى؟.
لا بد أن حال هؤلاء هي أسوأ بكثير من أشقائهم في دول الخليج العربية المنتجة للنفط.
وما سمعناه وشاهدناه من مظاهرات واحتجاجات ضد الغلاء قي أكثر من دولة عربية هو أكبر دليل على صحة هذه المقولة.
ويبقى ضروريا الإشارة إلى أن الكثير من الدول العربية ليس لديها سوى القليل مما تصدره، ولربما أن بعضها كلبنان مثلا، غير قادر على تصدير شيئ، وهنا الطامة الكبرى كما يقال. هذه الدول لا تستطيع تعويض ارتفاع أسعار البترول.
هذه دوامة...وليس فقط حلقة مفرغة أليس كذلك؟.

