سان بطرسبورغ إرث القياصرة
بقلم محرر من آرابيان بيزنس في يوم الثلاثاء, 26 أغسطس 2008
حين يتعانق نهر نيفا مع خليج فنلندا على بحر البلطيق، تشمخ سان بطرسبورغ نافذةً على أوروبا كما أرادها القيصر بطرس الأكبر عام 1703. لكن هذه المدينة التي دخلت التاريخ متأخرةً استطاعت أن تملكه بين جنباتها فكانت إرث قياصرة روسيا ومخزناً ضخماً لأيقوناتٍ من الأعمال الفنية تخبئها في ثنايا متاحفها وقصورها.
على ارتفاع 42 متراً من مستوى البحر، وبطقسٍ أكثر برودة من موسكو، تستلقي مدينة القياصرة بجمالها الأخاذ. ومن موقع بنائها فوق مستنقعاتٍ على بحر البلطيق اكتسبت اسمها «فينيسيا الشمال»، حيث أمر القيصر الروسي بطرس الأكبر بتشييدها ليجعلها وصلة روسيا مع أوروبا، وينقل عبرها الحضارة الأوروبية إلى روسيا الغارقة في تاريخها القديم وتقاليدها الجامدة.
ومن هنا انفتح الروس على الفرنسيين والإيطاليين وبقية الأوروبيين، وتعرفوا منهم على آخر مبتكرات الهندسة والعلم والفن، وأخذوا بتقليدهم ثم بدأوا بمنافستهم بل التفوق عليهم في مجالاتٍ منها ضخامة الأبنية وعرض الشوارع وبذخ القصور وغنى المتاحف، وليس أدل على ذلك من متحف الإرميتاج الذي يحتضن نحو 3 ملايين عملٍ فنيٍ ويحتاج المرء إلى السير 24 كيلومتراً إذا أراد زيارته بالكامل.
تأسست سان بطرسبورغ منذ 305 سنوات. وبدأت من قلعة بطرسبورغ التي يطلق عليها حالياً اسم بتروبافلوفسك، ثم أخذت حركة التعمير تمتد من حول هذه القلعة لتتشكل المدينة. ولأكثر من 200 سنة، من عام 1712 وحتى العام 1918، تألقت بطرسبورغ كعاصمة الدولة الروسية، ونقلت إليها جميع أجهزة السلطة القيصرية.
تغيرت أسماء المدينة بتغير محطاتها السياسية، فمن «سان بطرسبورغ» نسبةً إلى القديس بطرس أحد حواري السيد المسيح، تغير اسم المدينة بعد الحرب العالمية الأولى إلى «بتروغراد» من اسم مؤسسها بطرس الأول.
وبعد وفاة لينين الذي أطلق منها ثورته عام 1917، تغير اسم المدينة إلى لينينغراد في 1924. وفي عام 1991، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استردت سان بطرسبورغ اسمها التاريخي في استفتاء شعبي.
طرازٌ أول
تشير بعض المراجع إلى أن مدينة القياصرة، لم تكن مكاناً جذاباً للسياح الأجانب في حقبة البلاشفة. فقد كانت الفنادق فيها تشبه سكن الطلاب في الجامعات. ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت سان بطرسبورغ التي ألهمت كبار المفكرين والكتاب والمؤلفين الموسيقيين مثل بوشكين ودوستيوفسكي وتشايكوفسكي وشوستاكوفيتش، من أكثر مقاصد العالم جذباً للسياح، إضافةً لما تتمتع به من حركة رواجٍ تجاري واقتصادي.
لكن البعض يرى أنها غدت مدينةً بملامح أوروبية أكثر منها روسية، فضلاً عن أن الروسيين بشكلٍ عام يعدًون سان بطرسبورغ، إلى جانب كونها مدينةً سياحيةً من الطراز الأول، أنها أيضاً موطنٌ للنخبة وصفوة المجتمع الروسي.
جمالٌ ينقذ العالم
لا شك في أن ما قاله ابن سان بطرسبورغ الكاتب الروسي الشهير فيدور دوستويفسكي عنها صحيح. فجمالها ينقذ العالم بما تتألق فيه من سكونٍ ورهبة، وهي اليوم متحفٌ مفتوحٌ في الهواء الطلق عبر «الحديقة الصيفية» وما تعج به من تماثيل، وقلعة «بطرس وبافيل» في جزيرة فاسيلي، والقصور التاريخية التي لم تتسع لها المدينة فتناثرت في ضواحيها.
وتكاد بطرسبورغ تكون متحف أوروبا لما تزخر به من الأعمال الفنية، فحتى محطات المترو فيها تمثل متاحف قائمة بحد ذاتها. كما تحتضن المسجد الجامع في سان بطرسبورغ الذي افتتح رسمياً عام 1913 ويعد واحداً من أكبر المساجد في أوروبا، بالإضافة إلى كاتدرائية القديسين بطرس وبولص التي بنيت عام 1859، حيث تضم قبور القياصرة ومن بينهم آخر قياصرة روسيا نيكولاس الثاني.
فيضٌ من المكنونات
وكما تخلَّد قصر فرساي في تاريخ ملوك فرنسا، فإن قصر بيترغوف الذي بناه القيصر بطرس الأكبر عام 1710 في الجانب الغربي من سان بطرسبورغ، حظي بشهرةٍ واسعة طلت مبانيه المتعددة و حديقته الشاسعة ونوافير المياه ذات الأشكال الهندسية البديعة والتي يطغى عليها الذهب كسائر تحف روسيا، ثمة من يقول بأحقيتها في الانتماء إلى عجائب الدنيا.
وعند التجول في سان بطرسبورغ فعلى المرء أن يمر بقصر ميخايلوفسكي ومسرح ألكسندريسكي، وساحة القديس إسحاق التي تتألق بأعمدةٍ رخاميةٍ نادرة من حجر المالكيت وأيقوناتٍ بيزنطية قديمة، وتضم كاتدرائية القديس إسحاق وتمثال القيصر نيكولا الأول.
بعد ذلك تأتي كنيسة المخلّص التي لا تغيب صورتها عن الذهن، وتتميز بقببها الروسية التقليدية الملونة على شكل البصلة، بحيث تشبه قبب مبنى الكرملين في موسكو. لكنها في الوقت نفسها اقتبست القوس العربي الفارسي وبعض الزخرفة الآسيوية من الصين. بالإضافة إلى قصر مارينسكي وهو مركز الفن في سان بطرسبورغ ويستحق لقب قصر الثقافة والموسيقى، يقابله دار الباليه.
تعليقات القراء (0 تعليقات)
إضغط هنا لإضافة تعليقك
آخر مقالات الموقع
- ملاحقة رئيس شركة عقارية إمارتية بسبب شيكات مرتجعة بقيمة 3.8 مليون دولار
- الأهلي السعودي يفوز بكأس الخليج للأندية للمرة الثالثة في تاريخه
- الإمارات تقبض على مستغلين لصلاحياتهم لسرقة أموال دعارة وخمور
- رجل أعمال سعودي يبني أول مسجد في القطب الشمالي
- الإمارات تحتفل بالعيد الوطني في فندق الرشيد الشهير وسط بغداد
