اقتصاديات العالم في طريقها إلى الانكماش
بقلم محرر من آرابيان بيزنس في يوم الخميس, 27 نوفمبر 2008
خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت أسعار السلع في الانخفاض متأثرة بتراجع الطلب، نظرا لكون معظم اقتصاديات العالم تتوقع حدوث ركود اقتصادي سيكون الأسوأ منذ عدة عقود من الزمن، وقد يؤدي تراجع الأسعار في دول عديدة إلى حدوث انكماش اقتصادي كبير من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية الحالية.
لم تشهد أي من الدول النامية انكماشا اقتصاديا منذ سنوات، باستثناء انخفاض مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية في اليابان بنسبة 1.6 في المائة في العام 2002. وكانت المرة الأخيرة التي شهدت فيها الولايات المتحدة انكماشا اقتصاديا في العام 1954.
لكن الولايات المتحدة سبق لها أن شهدت انكماشا اقتصاديا كبيرا أثناء سنوات «الركود الكبير» الذي هبطت خلاله أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 26 في المائة في الفترة ما بين العام 1929 والعام 1933. وكان تراجع الأسعار عنصرا رئيسيا في تعميق أثر الركود.
ويمكن أن ينشأ الانكماش عن هبوط مفاجئ في الطلب، وهو ما يحدث في الوقت الحاضر. على سبيل المثال، سجلت مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة مؤخرا تراجعا بلغ 2.8 في المائة، وهو الأكبر في تاريخها. وهناك سبب رئيسي آخر للانكماش، وهو وقف أو تراجع الاستثمار أو الإنفاق المدعوم بالاقتراض من قبل القطاعين العام والخاص، وهو ما يحدث حاليا، علما بأن هذا التراجع يقلل حركة تدوير النقد ضمن الاقتصاد.
ويؤدي الانكماش الشديد إلى نتيجتين رئيسيتين، وهما: انكماش الديون، وارتفاع شديد في التكلفة الحقيقية للاقتراض. في الحالة الأولى، يمثل الانكماش الشديد للديون وضعا يتراجع فيه حجم الموجودات التي يجري تمويلها عن طريق الاقتراض، وهو ما نراه حاليا في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للحالة الثانية، فإن الانكماش يرفع تكلفة الاقتراض بشكل حاد لأن الطرف الذي يحتاج للاقتراض يكون مستعدا لدفع أسعار فائدة مرتفعة جدا للمستثمرين لكي يقرضوه المال الذي يحقق من خلاله زيادة في القيمة بدون تحمل مخاطر ائتمانية من أي نوع. على سبيل المثال، ارتفع سعر الفائدة القصيرة الأجل إلى 13 في المائة في العام 1931.
لقد بدأت الدلائل على وجود الانكماش في الظهور، مع تباطؤ معدلات التضخم وهبوط حاد لأسعار السلع من طاقة وزراعة ومواشي ومعادن، وحتى الذهب. على سبيل المثال، وصل مؤشر «سي آر بي رويترز» الذي يشمل أسعار عدد كبير من السلع إلى 481 نقطة وهو أعلى مستوياته القياسية في شهر يوليو الماضي.
بعد ذلك، شهد المؤشر تراجع بعد ذلك بأكثر من 30 في المائة حتى منتصف شهر نوفمبر، ليصل إلى 335.6 نقطة. وكذلك انخفضت أسعار النفط بأكثر من 50 في المائة بعد أن وصلت إلى أعلى مستوى في تاريخها في شهر يوليو الماضي.
وهناك دليل آخر على حدوث الانكماش، وهو أن معدلات التضخم في جميع دول العالم قد بدأت في التراجع، حيث تراجع معدل ا لتضخم في المملكة المتحدة لشهر أكتوبر الماضي إلى 4.5 في المائة مقارنة مع 5.2 في المائة في الشهر السابق.
وهذا التراجع البالغ 0.7 في المائة هو الأكبر خلال ما لا يقل عن 11عام. إلى جانب ذلك، تراجع معدل التضخم في الولايات المتحدة في شهر أكتوبر الماضي حيث انخفض هذا المعدل بـنسبة 1 في المائة وهو أكبر تراجع منذ 61 عاما، ليصل إلى 3.7 في المائة. كما تراجع معدل التضخم الأساسي (الذي لا يشمل بنود المواد الغذائية والوقود) بـنسبة 0.1 في المائة، وهو أكبر تراجع منذ 20 عاما.
ومع أن السياسات المالية والنقدية التي تبنتها الحكومات في معظم دول العالم توفر المزيد من السيولة لتسهيل سوق الائتمان، إلا أن تراجع أسعار السلع وتقلص عمليات الإنفاق المدعوم بالاقتراض، والذي تشهده الأسواق حاليا، يفوق الآثار الإيجابية للسياسات النقدية والمالية. وبالتالي، فإن الانكماش سوف يظل يصبغ الاقتصاديات الكلية لمعظم دول العالم بلونه الكئيب على مدى العام 2009، وذلك بالإضافة إلى الركود العالمي الذي بدأ مؤخرا.
التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي في العام 2009
العوامل التي كانت تزيد نيران التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي بدأت في التراجع، وفي طليعتها «التضخم المستورد» وهو المتمثل بارتفاع مستويات الأسعار نتيجة لاستيراد منتجات أساسية من اقتصاديات تشهد معدلات تضخم مرتفعة.
ومن المتوقع أن يستقر وضع التضخم المستورد، إن لم يتراجع، وذلك لسببين، وهما: أولا، أن الدولار الأميركي عائد وبقوة وقد بدأ يستعيد مكانته مقابل جميع العملات الرئيسية، حيث ارتفع «مؤشر الدولار» الذي يتتبع مسار قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى بمقدار 87.33 نقطة بحلول منتصف شهر نوفمبر الجاري، أي بنسبة 11.7 في المائة منذ بداية شهر سبتمبر الماضي.
وهذا يعني أن معظم الدول الخليجية التي ترتبط عملاتها بالدولار سوف تنخفض أسعار وارداتها من غير الولايات المتحدة. وثانيا، سوف ينعكس تراجع أسعار السلع على أسعار المنتجات المنتهية الصنع. واعتمادا على درجة الانكماش الذي يحدث في الدول المصدرة، سوف تنخفض أسعار بضائع مختلفة كالآلات والمعدات والأقمشة وغيرها.
التضخم في المملكة العربية السعودية في العام 2008
وبعيدا عن تراجع أسعار البضائع والسلع، من المرجح أن تتراجع إيجارات الوحدات السكنية في دول عديدة نتيجة لزيادة العرض على الطلب، ومن الطبيعي أن تبطئ هذه العوامل مجتمعة معدلات ارتفاع الأسعار في دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي الواقع، تم تسجيل تراجع طفيف في معدلات التضخم في بعض الدول الخليجية، حيث تراجعت أسعار السلع الاستهلاكية في المملكة العربية السعودية، كبرى دول المجموعة، من 11 في المائة في يوليو الماضي إلى 10.4 في المائة في شهر سبتمبر الماضي. ولذلك فإن من المتوقع، أن تتراجع معدلات التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام 2009، لتصل إلى مستوى 10 في المائة.
