من المؤسف أننا إذا احتجنا لتلمس أزمة الإعلام العربي فعلينا أن نعرف ما هي أزمة الإعلام الغربي بعد ذلك سنضيف إليها المزيد بخصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية والسياسية.
وأقر هنا أن الإعلام الأمريكي هو أفضل وسيلة ترفيهية في العالم، لكنني لن أصغ لمايكل جاكسون لمعرفة الأخبار والتحليلات الاقتصادية، ولا إلى ذلك الإعلام الأمريكي الموجه حتى النخاع والذي يصفه نيل بوستمان أستاذ الصحافة في جامعة نيويورك بالقول " نحن أكثر الأمم حصولا على الترفيه والتسلية الإعلامية والأقل إطلاعا على ما يجري".
وعندما يتساءل بعض الصحفيون عن فشل الإعلام العربي في توقع حدوث الأزمة التي تفتك حاليا بالاقتصاد العالمي ويلومون زملائهم، لعلهم أيضًا يبررون فشلهم في ذلك.
هناك إذا أزمة في عمل الصحافة العربية خاصة حين تعيد تدوير ما يردها من الإعلام الغربي لتصبح ببغاء تابعا له وتحذو حذوه في تجاهل الأخبار الهامة.
لم تفشل الصحافة الغربية في توقع حدوث الأزمة، فهي أصلا لم تسعى إلى ذلك ولم تكتفي بتجنب كشف المؤشرات المقلقة بل قامت بالتعتيم على مؤشرات حدوثها. لا غرابة إذا حين أعدكم بثقة شبه مطلقة بأن الأزمة التالية لن يسمح لأحد بأن يتوقعها.
لنبدأ مع النقل المباشر والفج عن الإعلام الغربي، فالأخبار السطحية المثيرة يتلقفها هنا الجميع ويعيد بثها رغم أنها تلهي الجميع عن الأحداث الخطيرة الأخرى، في تنافس محموم بين محطة فوكس الإخبارية وكل من MSNBC، وسي إن إن. ما هو أهم خبر ورد خلال العام 2007 ونال أطول تغطية في كبرى المحطات الإخبارية مثل سي أن أن؟
وهل استحق تغطية بمرتبة وعنوان خبر عاجل طوال ساعتين تقريبا حتى من دون السماح للإعلانات أن تتخلله؟
من المؤسف أن ذلك الخبر لم يكن سوى موت عارضة الأزياء أن نيكول سميث. فبدلا من أن تكون مكانة ذلك الخبر مرور الكرام ضمن برنامج الترفيه، تولى أهم مذيعي تلك المحطة تغطية الخبر والتعليق عليه لينافس بدون منازع خبر أهم حدث أمريكي بل عالمي هذا القرن وهو هجمات سبتمبر! ولم يظهر خبر "سخيف" تزامن مع موت نيكول، وهو ضياع 12 مليار دولار على يد السفير الأمريكي في بغداد (راجع الرابط:usawatch.org/docs/wariniraq.pdf ).
التحليلات الإخبارية المضللة في الولايات المتحدة لم تكن بسبب جهل وقلة دراية في القطاع الاقتصادي، بل كانت مقصودة لإخفاء الخلل الكبير في أسواق المال والأسهم، والذي ظهرت بعض بوادره منذ عام 2007 من دون أن تلتقطها وسائل الإعلام الرئيسة بسبب تواطؤها الكامل مع أصحاب المصالح ممن تورطوا بالخسائر المالية ليرثها العالم أجمع.
هل لعب الإعلام العربي دور مرآة أم ببغاء عن الإعلام الغربي أو غير ذلك؟ فلنحاسب من هدر وقته ووقت غيره بأخبار أن نيكول سميث وأخبار مماثلة التي هدد بعض من مذيعي التلفزيون في الولايات المتحدة بأنهم يفضلون الاستقالة على تقديم أخبار تافهة لمجرد أنها لشخصيات شهيرة.
ليس من المستغرب أن تفتح إنترنت أكثر من ثغرة في الستار الحديدي للإعلام الأمريكي وتجبره على تغطية الاحتجاجات الإيرانية التي حدثت مؤخرا وتجاهلتها في البداية كل المحطات الإخبارية الأمريكية إلى أن أجبرت على مواكبتها.
لندع الإعلام العربي ومشكلاته جانبا. فبعد أن روضته الحكومات العربية أصبح مثل مزمار الحي. كيف يمكن إذا لمحطة إخبارية فاشلة أن تصدر نشرة صحفية هي نكتة في الحقيقة، فهي تفيد أن غالبية المستثمرين وكبار رجال الأعمال العرب يعتبرونها قناتهم المفضلة! أنا بدوري أقاوم الرغبة بإصدار نشرة صحفية بعنوان "تقلص عدد الأثرياء العرب بسبب إدمانهم على قناتهم التلفزيونية المفضلة".
لا يمكن القول أن الإعلام الغربي فقد بوصلته، بل الأصح أنها سليمة لكنها موجهة مسبقا نحو اتجاهات أخرى. كيف تم ترويض واحتواء أضخم الشبكات الإخبارية الرئيسة في الولايات المتحدة وهي الأكثر تطورا وتحررا في العالم وهي التي أنجبت عمالقة من أمثال سيمور هيرش وغيره الكثير؟ تجري في الولايات المتحدة عملية منهجية بدأها عهد رونالد ريغان وحتى اليوم، لدحر الإعلام المستقل وتقليص عدد مالكي كبرى المحطات الإخبارية حتى يسهل التحكم بأخبارها. ووفقا لمؤسسة أهلية أمريكية بروجيكت سينسرد projectcensored، التي تتولى متابعة الرقابة على الأخبار في الولايات المتحدة، فإن خارطة ملكية الشبكات الإخبارية الرئيسة هناك تعود لعدد قليل من أصحاب كبرى الشركات، كما هو تورده هنا: http://tinyurl.com/lhwvkl
هل نتوقع بعدها أن تقوم محطة إخبارية يترأس مجلس إدارتها مالك جنرال موتورز مثلا، بالحديث عن تعثر شركته في تحقيق الأرباح المتوقعة؟
لماذا يتساهل الصحفي في الأسئلة التي يوجهها لصانعي القرار؟
يستكين بعض العاملين في الإعلام أمام مغريات ومخاوف كثيرة. فالأسئلة المحرجة لا يجب أن يتوقع منها عقوبة هي الحرمان من امتياز الحصول على مقابلة أو مؤتمر سواء كان ذلك دخول البيت الأبيض والحصول على فرصة طرح الأسئلة، أو لقاء كبار الرؤساء التنفيذيين في الشركات. فتلك المخاوف لا يجب أن تمنع أي كان من طرح الأسئلة المحرجة، فلا يهم الصحفي النزيه مجرد الوصول لكبار أصحاب القرار بل الأهم هو ما يجنيه ويطرحه من أسئلة وقضايا عقب تلك الفرصة، وينطبق ذلك في حالات كثيرة سواء كانت الوصول إلى بن لادن أو صدام حسن أو حتى زعماء الكيان الإسرائيلي أو غيرهم.
فبدلا من توجيه أسئلة جدية يقوم بالتهرب بأسئلة مدجنة ومعدة مسبقا، على شاكلة آخر سؤال تم توجيهه لمحتال كبير، قبيل انكشاف سرقته لمليارات الدولارات. وكان ذلك السؤال "هل تستمتع بكونك من أصحاب الثروة"؟ وكان المحتال هو ألن ستانفورد الذي اختلس 7 مليارات من المستثمرين. ولا ننسى أن الإجابة كانت "نعم" بابتسامة كبيرة. أما البرنامج الذي كشف هذه المقابلة والأسئلة المخزية التي وجهت لستانفورد فهو برنامج الكوميدي جون ستيورات والذي لا يفاجئ أحد اعتباره من قبل الأمريكيين الصحفي الحقيقي الوحيد حاليا في الولايات المتحدة.
على الرغم من أنني لا أحب الشماتة إلا أن تقلص عدد المليارديرات العرب مؤخرا قد يكون له أسباب غريبة، فعلى ما يبدو أن سبب ذلك ليس فقط مشاهدتهم التلفزيون لساعات طويلة بل أيضًا لاختيارهم الخاطئ للقناة التلفزيونية. ورغم أنني لا أعرف شيئا في الصحافة الاقتصادية إلا أنني أضمن بل كل جدية وصدق أن نصائح ذلك البرنامج الكوميدي هي أفضل استشارة استثمارية يمكن الحصول عليها من الولايات المتحدة.